باب إمامة محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري


وهو رجل من قضاعة و وجدت في بعض الكتب ذكر نسبه متصلا فأحببت ذكره كما وجدته فهو :


محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحرير بن مسر بن مدلج بن حمير بن بيدر بن وعاث بن العادي بن الهداي بن حمير بن الأرمي بن عميرة بن حيدان بن عمر بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير بن سباء بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي عليه السلام.

ولا أعرف وجه نسبته إلى الحاضري , وإنما وجدتها في كلام للإمام بنفسه ولعلها نسبة إلى موضع يسكنه وكان يسكن بنزوى في الحارة الغربية في سكة باب مرار.

وسبب إختيار المسلمين له أن سليمان بن سليمان هجم على إمرأة تغتسل بفلج الغنتق فخرجت من الفلج هاربة عنه عريانة فجعل يعدو في أثرها حتى وصل حارة الوادي فرآها محمد بن إسماعيل فخرج إليه وأمسكه عنها وصرعه على الأرض , حتى مضت المرأة ودخلت العقر فخلى سبيله فعند ذلك فرح به المسلمون لما رأوا من قوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فنصبوه إماماً وذلك في سنة ست وتسعمائة ومات سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة وقبره بنزوى وكانت امامته ستاً وثلاثين سنة .

وكان قد حكم في أموال بني رواحة الداخلين في الفتنة , يوم قادوا سليمان بن سليمان ويوم قادوا مظفر بن سليمان حُـكم بأن الذي إجترحه سليمان وولده صار ضمانة على من قادهم , وذلك الحكم في يوم الأحد لثلاث ليال خلون من شهر شعبان سنة تسع وتسعمائة فأثبت العلماء حكمه وفي حضرته عبدالباقي محمد بن علي , و محمد بن سليمان بن محمد بن عمر ، و أبو القاسم بن شائق بن عمر ، و أبو القاسم محمد بن سليمان ، و سعيد بن زياد ، و مداد بن عبدالله بن مداد ، و غسان بن ورد ، و محمد بن عبدالله بن مداد ، و عباد بن محمد ، و خالد بن سعيد بن عمر , و محمد بن عبدالله بن محمد بن عمر بن عبدالرحمن ، و أحمد بن خليل بن أحمد , و كان قد نهى عن بيع الخيار , و كتب في ذلك كتاباً سجلت فيه علماء عصره ، و ذلك أنه لما كثرت معهم هذه المعاملات من الربا والفساد والحيّل فصاروا يظهرون أنهم يتبايعون بيع الخيار ويجعلونه تغطيه على ما أسسوه وأرادوه ليكون لهم حلالاً في الحكم الظاهر وباطنهم الزياده بالدراهم وأخذ الثمره على قدر ما يسلمونه من الدراهم , إذا قلت الدراهم أخذوا له قليلاً وإذا كثرت أخذوا له كثيراً ، ولو كان غلت المُباع لم تبلغ ذلك الحال ، ولست عقدتهم على شراء الأصل بعينه ، وربما يحجر المتبايعان ويتعاقدان على الزيادة قبل الشراء أو عند الشراء ، ومنهم من يسلم الثمرة فهذا ومثله يدل على الربا والحرام ، لأنه جاء في الأثر أن البيوع على ما عقد في الأحكام وعلى أسست في الحلال والحرام ، فلما راى المسلمون أهل هذا الزمان همجاً رعاعاً لا يتقون الحرام مع ما يحتاجون إليه من المكاتبه والإشهاد خافوا أن يحاط بهم وأن يقعوا جميعاً في المعصيه إن لم ينهوهم عن ذلك ، ويكونوا كما قال الله تعالى :

" كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبأس ما كانوا يفعلون " فأجتمع العلماء الأتقياء : القدوة مداد بن عبدالله بن مداد العقري النزوي ، والفقيه عبدالله بن محمد بن سليمان بن عمر النزوي ، والقاضي أبو غسان بن ورد بن أبي غسان البهلوي ، وعمر بن زياد بن أحمد البهلوي ، ومحمد بن أبو الحسن بن صالح بن وضاح المنحي وجماعة ممن حضر من أهل العلم و البصر عند الإمام العادل العامل الكامل العاقل محمد إبن إسماعيل نصره الله بقرية نزوى وطالعوا الآثار المنسوبة عن العلماء الأخيار المسنوده عن سيد المرسلين الذي نزل به الروح الأمين بالوحي عن رب العالمين فوجدوا أن غلت بيع الخيار حرام فحكم الأمام ومن ذكرت من المسلين بتحريمها وبفساد بيع الخيار لأنه أقرب للتقوى وأقصد في الفتوى وأسلم من البلوى ، لقوله عليه السلام " من أجبا فقد أربا " وسأذكر لك ما نقلوه من الآثار في هذه السيره ليتبين لك الهدى وتتجنب الردى ولا حجه لعاند ولا فاسد ولا مبطل ولا معطل والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلاّ الضلال.

فمن أنتحل بنحله أو أعتل بعله فحجته عاطلة باطلة ومن حكم بخلاف ذلك فقد خالف الحق المبين وترك سنة خاتم النبيين ومن لم يرض بالقضاء فليس لدائه من دواء والله المستعان على ما تصفون.

وهذا نص ما كتب الامام في ذلك قال : " بسم الله الرحمن الرحيم : لما كان في نهار يوم الاربعاء لست ليال بقين من جمادى شهر الآخر أحد شهور السنة ثمان وعشرين وتسعمائة قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الامام العادل امام المسلمين محمد بن اسماعيل ومن حضره من المسلمين وما أجمعوا عليه بان غلة بيع الخيار لا تجوز وانها ربا حرام وأن المراد بها الثمرة ووافق ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم " من أجبا فقد أربا " وقد جاء الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار أنه غير ثابت وهذا قول من لا يراه ثابتا ، الأصل فيه عنده أن هذا بيع وقع على الثمرة لا على الأصل وكانت هذه حيلة على تحليلها وكذلك قال الذين أحتجوا بتحريمه قالوا لما صح عندنا أن بيع الخيار والمراد به الثمرة حينئذ قلنا بفساد ذلك البيع وكان هذا موافقاً لما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام " من أجبا فقد أربا " والدليل على هذا ما صح عندنا من قوله : إنهم جعلوا هذا البيع طريقاً يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجملة من قولهم وأظهروا هذا البيع على تغطية مالا يجوز فكان قولهم هذا موافقا للرجل الذي تزوج امرأة في السريرة فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحاً وأنه قد تزوجها وما يجيء بحق هذا وهذا كله حرام فقد قيل النيات هن المهلكات وهن المنجيات وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى " وقال :

" نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله " لما صح عندنا أن المراد بالبيع الخيار الثمرة وإنما جعلوا هذا طريقا فيما عزموا للتغطية على تحريمها والدليل على فساد هذا كله أن كل هذا البيع وقع لنخلة فكانت الثمرة لربها وإن كان البيع المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من أجبا فقد أربا " فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك ، والوجه الثاني مثله كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثا فتزوجها لإستحلالها لزوجها الأول فهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والثاني ، والوجه الثالث رجل وافق رجلا على شراء حب أو تمر من عنده المكوك بمكوكين أو تمرا بحب أو حبا بتمر ثم أشهد على نفسه بدراهم فهذا أيضا بيع في السريرة حرام قال فهذا قولنا في بيع الخيار والله أعلم.

هكذا جاء في الأثر كتبته كما وجدته منها ، نعم ما كتب عليّ فهو إملائي والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال , وكتبه الفقير لله سبحانه الإمام محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري بيده حامداً لله وحده ومصلياً مسلماً مستغفرا ، صحيح ثابت ما حكم به الإمام من تحريم غلة الخيار فهو الحق والصواب موافقاً لآثار السلف وبذلك جاء الأثر وعليه العمل كتبه العبد الفقير مداد بن عبدالله بن مداد بن محمد بيده ، صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه و لا إرتياب وبه جاء الأثر وبه نعمل ، كتبه العبد الذليل لله تعالى محمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح بيده صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن اسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه كتبه الفقير لله تعالى عبدالله بن محمد بن سليمان بيده صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب ، لا شك فيه و لا إرتياب ،

هكذا جاء الأثر عن أولى البصر ، وعمل به أشياخنا وسطره أفقر خلق الله تعالى أبو غسان بن غسان بن أبي غسان بيده حامداً له وحده مصلياً مسلماً صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن اسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب ، وعليه العمل لا شك فيه و لا إرتياب هكذا جاء الأثر عن أولى العلم والبصر. وعن أشياخنا ، كتبه العبد الأقل عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده ، نقل السيرة المذكورة الفقير لله تعالى أحمد بن مداد بن عبدالله بن مداد بيده ، نقله من السيرة المذكورة من خط الشيخ الفقيه العالم أحمد بن مداد العبد الأقل الراجي رحمة ربه الأجل المثقل من ذنوبه الراجي المستغفر ربه عبدالله بن محمد القرني بيده .


وفي سنة سبع عشرة وتسعمائة ليلة الجمعة من جمادى الأخرى مات محمد بن عبدالله بن مداد النزوي بفرق وقبر بمساجد العباد وكان الفقيه أحمد بن مداد يذكر لمحمد بن إسماعيل أحداثاً أستوجب بها البراءة عنده ، وكان غيره من بعض معاصريهم يعتذر لمحمد بن إسماعيل في ذلك ويحتج له بحجيج لا يسلمها الفقيه أحمد بن مداد ويرى أنها لا تجوز بوجه من الوجوه وأنها ليست بموضع رأي و لا اجتهاد ، فإن صح ما ذكره الفقيه أحمد بن مداد في سيرته أن محمد بن إسماعيل قد فعله فأرى الفقيه قد أصاب في البراءة منه إذا كان قد أستتابه من ذلك فأصر وليس لغيره أن يقلده في البراءة من محمد بن إسماعيل وإنما ذلك شيء خاص بمن صح عنده علم الحدث و توب الامام منه فلم يتم.


قال أحمد بن مداد جبى محمد بن إسماعيل الزكاة من رعيته بالجبر من غير حماية لهم وغير منع من الجور والظلم قال و جبر رعيته على شراء الزكاة من ثمرة النخل بما تقومه عمالة الدنانير وأخذ تلك القيمة بالجبر منه لهم وجبى المعاشير غير الزكاة دنانير بقيمة ثمرة النخل من أموال رعيته بما تقومه أعوانه وعماله من الدنانير بالجبر من رعيته اليتامى والبالغين والأرامل وغيرهم لنفسه وعماله وأعوانه ولخطّـاره وأضيافه وعياله هدراً وقرضاً بالنية قال وجبى الخراج وأخذ الكسرة وهي المغرم المقدر للجبابرة من أموال رعيته بالجبر على الخوف وخشية الظلمة على دولته ونفسه ورعيته وأموال رعيته هذا كلامه. وقد أطال في الاستدلال على إبطال هذه الأشياء بأمور مسلمة عند الفريقين و لا أدري ما يقول المنتصر له في بعض هذه الأمور ، فإنها لا تخرج على شيء من أقوال المسلمين ولعلهم ينكرون وقوع ذلك منه ، ويحتجون للبواقي بالترخص ببعض الرأي المأثور عن المسلمين لأجل الضرورة إليه ، أما الجباية والخراج فلا يجتمعان أصلاً ليس للإمام أن يجبي أرضاً يأخذ الجبار خراجها إلا إذا حماها ومنع الجبار من خراجها ورفع اليد عن مظالمها وأنصف بعضها من بعض ، فها هنا تطيب له الجباية بالقهر لأنه قد حماها وأقام فيها العدل وكذلك أخذ العشور من الأموال التي لا زكاة فيها فإن ذلك لا يجوز و لا يقبل الرأي ، فإن صح هذا أن أحداً قد فعله و أستتيب فلم يتب فإنه يكون خليعاً عند المسلمين لكن ذلك لا يكون بالدعوى وخصوصاَ على الأئمة فإنهم أعظم حرمة ، وأما القرض فقد أحتج له من أحتج ورخص له من رخص لأجل الخوف على الدولة ، و لا يرى ذلك الفقيه أحمد بن مداد بل كان يبرأ من العامل والمرخص وأما الخرص للثمار فإنه وإن كان الأصحاب على غيره فلا يخرج عن دائرة الرأي لكن جبر الرعية على تسليم الدنانير عن الزكاة المخروصة في رءوس النخل شيء لا يجوز والله أعلم بما كان عندهم من الأمر وقد غاب عنا أمرهم وما غاب عنا علمه فلا يلزمنا حكمه والله أعلم.


ن كتاب " تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان "

للعلامة المحقق الشيخ

نور الدين عبدالله بن حميد السالمي

المتوفي سنة 1332هجري

الجزء الأول ( الطبعة الخامسة :1394هـ - 1974م )